أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

141

قهوة الإنشاء

أما منشئ السيرة فما ذا أقول ؟ قد رأيت الخطب جليلا ، وما ذا أصف ؟ وقد حمّلني العجز عن الوصف عبئا ثقيلا ، هو كبير أناس ، مزمّل « 1 » من البلاغة بأنواع وأجناس ، تأتمّ الهداة به كأنه « 2 » علم ، وتروم الأدباء المقايسة به فيقاسون ولكن شدة الألم ، له في الأدب صريمة وشهامة ، وفراهة الهمة « 3 » تجريه إلى المقامات الرائقة ولا تعتريه سآمه ، وما همّ بتركيب معنى إلا وشرح الصدور بذلك الهمّ ، ولا شنّ فارس فكرة غارة إلا وتمّ منها على بيوت الشعراء ما تمّ ، طالما أظهر برغم أنوف الحسدة في المجالس فضله ، وصعبت الآداب على غيره لكنها أصبحت عليه سهله ، وعقل غرائب نكته عما سواه فلله ما أبدع من عقله . كدّر عيش الحلّي بما ابتدعه من العجائب ولا تنكر لمثله تكدير الصفي ، واكتفى في ميدان البراعة بجواد فكره الذي جال وهو مكرّ مفرّ وهكذا يكون المكتفي ، أتى بألفاظ تأريخية لو رآها ابن الأثير لتأثر ، أو ابن سعيد لتعثر « 4 » ، أو ابن بسّام لأصيب منها بالقارعة فعبس وتولّى ، أو الحجازي لرمي منها بالداهية التي هدمت ما بناه وثقلت عليه حملا . وكتب خطأ لو لمحه ابن مقلة لأصيب منه بنظره ، أو ابن البوّاب لهتك اللّه ستره . وجاء بأدب لو وازن أحد به الراجح لما أقام الدهر له وزنا ولا رجحه ، ولو تأمّل الملحي ملاحة « 5 » لفظه الذي ما مر مثله بالذوق لقال لسان التعجب : « ما أملحه » ، ولو قيس به ابن الرومي المتعاظم ، لأنشد الناظم : [ من الوافر ] ولو أنّي بليت بهاشميّ * خئولته بنو عبد المدان لهان عليّ ما ألقى ولكن * تعالوا فانظروا بمن ابتلاني ولو تشبّه به مادح كافور لعاد من برده بكبد « 6 » حرّا ، ولو كلّف مجاراته « 7 » صاحب القطر النباتي لقال : « ربنا أفرغ علينا صبرا » ، ولو تعرّض ديك الجن لعزائمه في الأدب لما

--> ( 1 ) مزمل : ها : محمّل ؛ طب : مزمله . ( 2 ) كأنه : ق : كأنهم . ( 3 ) الهمة : طب ، ها : همة . ( 4 ) تعثر : بر : تغير . ( 5 ) ملاحة : تو ، ها : ملاحظة . ( 6 ) بكبد : ق : يكيد . ( 7 ) مجاراته : ق : مجازاته ؛ بر : بمجاراته .